الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
270
شرح ديوان ابن الفارض
اللحد . وفي البيت الجناس اللاحق في نشوة ونشأة ، والطباق بين البقاء والبلى . وقوله وإن بلي العظم إشارة إلى أن عمار هذا البدن الذي هو العظم لو بلي ولم يبق له أثر فلا تزول هاتيك النشوة بل تدوم بعد الجسد المعدوم . اه . عليك بها صرفا وإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظّلم [ الاعراب والمعنى ] « عليك » اسم فعل بمعنى تمسك ، واعلم أن عليك يرد اسم فعل في الكلام ، لكنه تارة يرد مع الباء ، وتارة بدونها ، فالذي يرد مع الباء يفسر بتمسك والذي يرد بدون الباء يفسر بالزم . نص على ذلك الشيخ ومما ورد بدون الباء قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ المائدة : الآية 105 ] و « صرفا » حال من الهاء في بها ، والصرف الخالص . و « إن شئت مزجها » أي خلطها بشيء . « فعدلك » أي فإعراضك . « عن ظلم الحبيب » بفتح الظاء أي عن ريقه هو « الظلم » لا غيره . وحاصل البيت الأمر بتناول المدامة صرفا خالصة من غير أن يكون لها مزج بشيء من الأشياء ، وحيثما أردت مزجها فلا تمزجها بغير ظلم الحبيب ، فإن ذلك المزج هو الظلم منك لها . واعلم أن كثيرا من المتكلمين على هذا البيت قد راموا تأويله وطلبوا تفصيله ، فمنهم من قال المراد من المدامة هنا ( لا إله إلا اللّه ) ، وظلم الحبيب الذي ينبغي أن تمزج به عند إرادة المزج هو قولك ( محمد رسول اللّه ) . ومنهم من قال عليك بمعرفة مولاك ، وتمسك بمن أولاك ، وإن بحثت عن غير الذات ، فلا تتعدّ الصفات ، فإنها لذات عظيمة ، وبها ترتاح العقول السليمة . وقيل في البيت غير ذلك من المعاني وإنما يدركها من للعرفان يعاني . فتأمل ما يناسب الشوق بحقيقة الذوق : وعني بالتلويح يفهم ذائق * غنيّ عن التصريح للمتعنت وفي البيت الطباق في الصرف والمزج ، وإيهام الطباق في العدل والظلم ، فإنك قد علمت أن قوله « عدلك » عبارة عن مصدر عدل عن الشيء إذا أعرض عنه فيكون على حد قول الشاعر : لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى وفيه الجناس المحرف بين الظلم والظلم . ( ن ) : عليك خطاب للمريد الصادق ، وهي اسم فعل بمعنى خذ يقال : عليك زيدا ، أي خذه كأن الأصل عليك أخذه . وقال في الصحاح عليّ زيدا وعليّ بزيد معناه أعطني زيدا . وقوله بها ، أي بالمدامة المذكورة . وقوله صرفا ، أي بلا مزج والصرافة في هذا الشراب كناية عن فناء كل ما عدا الوجود الحق ، ومشاهدة الوجود